إذاعة كل اليمنيين

قراءةٌ في بيان الأمين العام لحزب الله.. ميثاق المواجهة الشاملة والوثوق بالنصر

يشكّل البيان الأخير للأمين العام لحزب الله، الشيخ نعيم قاسم، اليوم الأربعاء، خطة عمل سياسية وعسكرية متكاملة تتجاوز حدود البيان الإخباري، إلى صياغة عقيدة دفاعية متجدّدة؛ إذ جاء تشريحًا دقيقًا للمشروع الأمريكي-الإسرائيلي الذي يستهدف الجغرافيا اللبنانية كجزءٍ من حلم “إسرائيل الكبرى” الممتد من الفرات إلى النيل، وليس سلاح المقاومة فقط كما يراه أصحاب النظرة القاصرة.

 

 

وفي قراءةٍ تحليليةٍ لهذا البيان يتكشف لنا انتقال المقاومة من مربع الدفاع الموضعي إلى مربع إدارة المصير الوطني، حيث وضع الشيخ قاسم النقاط على الحروف في توصيف العدوان الذي لم يبدأ أو ينتهِ في تواريخ محدّدة، وإنّما هو فعل مستمر منذ 15 شهرًا من الخروقات والتمدّد؛ ممّا جعل الخيار بين الاستسلام المذل أو المواجهة الحتمية خيارًا صفريًّا لا يقبل القسمة على اثنين؛ فاختارت المقاومة طريق الكرامة لقطع الطريق على مفاجآت العدوّ وغدره.

 

يرتكز جوهر الموقف الذي ارساه الأمين العام لحزب الله على إسقاط الذرائع التي يحاول العدوّ الترويج لها لتبرير حرب الإبادة؛ فالصلية الصاروخية التي يتحدث عنها الاحتلال، ليست سببًا رئيسًا للحرب، وإنّما هي نتيجة طبيعية لعدوانٍ متراكم استنزف السيادة اللبنانية على مدار أكثر من عام.

 

ومن هُنا، تبدو الرسالة الموجهة للداخل والخارج واضحة؛ أنّ المقاومة لم تُستدرج، وإنّما بادرت لتفويت فرصة الاستفراد بلبنان، محولةً الميدان إلى ملحمة وطنية يسطرها رمز الوطنية الساطع من الشباب المجاهد الذين أثبتوا بأسهم بلا سقف ولا حدود.

 

وهذا الثبات الميداني يسنده حاضنة شعبية وصفها الشيخ بأنها “الأشرف والأنبل”، وهي معادلة “الجيش والشعب والمقاومة” التي أعاد البيان صياغتها بروحية جديدة، معتبرًا أنّ نزوح أهلنا ليس انكسارًا بل هو “مساهمة في الجهاد”، وتحويل الألم الشخصي إلى وقود لصناعة المستقبل الحر والمستقل.

 

وفي الشق السياسي، فكك البيان الألغام التي تحاول أطراف دولية ومحلية زرعها في طريق الاستقرار اللبناني؛ فالهجوم على فكرة “حصرية السلاح” في ظل احتلال قائم ليس سوى دعوة مبطنة لشرعنة التوسع الإسرائيلي وتجريد لبنان من مصادر قوته وعزته.

 

كما يأتي ربط الشيخ قاسم بين نزع السلاح وبين مشروع “إسرائيل الكبرى” كتحذيرٍ وجودي من أن زوال القوة يعني زوال الكيان اللبناني نفسه، كما أن رفض التفاوض تحت النار، هو حماية للسيادة من أن تتحول إلى “صك استسلام” يُفرض بقوة التدمير، وليس ترفًا سياسيًّا.

 

ويبرز البعد الوطني في بيان الشيخ قاسم، حين حمّل الحكومة والجيش والقوى السياسية مسؤولية تاريخية، داعيًّا إياهم لعدم الوقوع في فخ القرارات التي تخدم المشروع الصهيوني -حتى لو عن غير قصد- وتحديدًا فيما يخص تجريم العمل المقاوم؛ فالمقاومة في عرف حزب الله هي “الأمل والتحرير”، وأيّ محاولة لعزلها هي عزل للبنان عن عناصر قوته الحقيقية.

 

والدعوة للوحدة الوطنية التي أطلقها الشيخ قاسم هي “سلاح إستراتيجي” هدفه إحباط العدو وإفقاده الأمل في احتلال الأرض أو تفتيت النسيج الداخلي، محدّدًا بوصلة المرحلة بوضوح: “إيقاف العدوان أولاً”، معتبرًا أنّ أيّ نقاش في الملفات الداخلية قبل التحرير هو “تشتيت للجهد الوطني وضياع للبوصلة”.

 

هذه الرؤية الشمولية تمتد لتشمل البعد الإقليمي، حيث وضع المواجهة في لبنان ضمن سياق المواجهة العالمية التي تقودها الجمهورية الإسلامية الإيرانية ضد العتوّ الأمريكي، معتبرًا أن صمود إيران هو “درس للاعتبار” ومنبع للقوة التي يعم خيرها على كل محور المقاومة؛ ممّا يؤكّد أن المعركة ليست “حرب الآخرين على أرضنا”، وإنّما معركة الدفاع عن الهوية والوجود والكرامة اللبنانية بامتياز.

 

ويختم الشيخ قاسم بيانه بروح اليقين والنصر المستمد من الوعد الإلهي، مشدّدًا على أنّ المقاومة “لا تُهزم” طالما أنها تستند إلى شعب يرفض الذل ومجاهدين يرون في الشهادة فخرًا، والرسالة النهائية للعدوّ وللعالم هي أن التدمير الممنهج وقتل المدنيين ليس دليل قوة؛ بل هو علامة جبن أمام “البواسل” في الميدان.

 

وبناءً على معطيات هذا البيان؛ فإن حزب الله قد رسم مسار المرحلة المقبلة تتمثل بثباتٍ مطلق في الميدان، ومرونة واضحة في الدعوة للوحدة الوطنية، ورفض قاطع لأيّ إملاءات سياسية تنتقص من حق اللبنانيين في الدفاع عن أرضهم، مع التأكيد على أن فجر التحرير قادم لا محالة، وأن الوراثة للأرض هي وعد تاريخي وإلهي للمستضعفين الذين صمدوا في وجه عتاة الأرض.

قد يعجبك ايضا